عقدت لجنة المالية والميزانية جلسة اليوم الخميس 26 مارس 2026 استمعت خلالها إلى مدير عام شركة فسفاط قفصة ومدير عام المجمع الكيميائي التونسي حول مشروع قانون يتعلق بالموافقة على اتفاقية القرض المبرمة بتاريخ 16 أكتوبر 2025 بين الجمهورية التونسية والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي للمساهمة في تمويل مشروع تجديد وتطوير خطوط السكة الحديدية لنقل الفسفاط.
وقد حضر الجلسة رئيس اللجنة السيد ماهر الكتاري ونائب الرئيس السيد ظافر الصغيري، والمقررة السيدة زينة جيب الله، وأعضاء اللجنة السيدة آمال المؤدب والسادة إبراهيم حسين والنوري الجريدي ومحمد أمين الورغي وعصام شوشان، وعدد من النواب من غير أعضاء اللجنة.
وأكّد مدير عام شركة فسفاط قفصة أنّ عديد القروض التي تمّ الحصول عليها خلال السنوات الماضية لم تترجم إلى إنجازات ملموسة، مبيّنا أنّ الشركة تواجه صعوبات هيكلية على مستوى منظومة الإنتاج والنقل. كما أوضح أنّه لا يوجد إلى حدّ الآن برنامج واضح ومتكامل لتجديد أسطول عربات السكك الحديدية المخصّصة لنقل الفسفاط، وهو ما يؤثّر سلبا على نسق نقل الإنتاج ويطرح إشكاليات لوجستية متكرّرة. وبيّن أنّ الإنتاج بلغ خلال سنة 2025 حوالي 3.9 مليون طن، إلا أنّ غياب تجديد فعلي لآلة الإنتاج يحدّ من القدرة على الرفع من نسق الاستخراج وتحسين المردودية.
كما أفاد أنّ الإشكاليات المرتبطة بضعف منظومة النقل تدفع أحيانا إلى اللجوء إلى النقل الخاص لتأمين إيصال الفسفاط إلى المغاسل، وذلك في انتظار استكمال مشروع إحداث مغسلة أمّ الخشب. ولفت في هذا السياق إلى أنّ المشروع شهد بعض التعثر والصعوبات على مستوى التنفيذ، غير أنّ العمل متواصل حاليا لتذليل هذه العراقيل ودفع نسق الإنجاز.
من جهته، أكّد مدير عام المجمع الكيميائي التونسي أنّ أهمية مشروع تجديد وتطوير خطوط السكة الحديدية ترتبط أساسا بضمان نقل مادتي الكبريت وثلاثي الفسفاط الرفيع، باعتبارهما عنصرين أساسيين في النشاط الصناعي للمجمع. وتعرض الى الصعوبات التقنية المرتبطة بنوعية العربات المستعملة، مؤكّدا أن البنية التحتية الحالية للسكك الحديدية لا تسمح باستغلالها بالشكل الأمثل، وهو ما يفرض ضرورة تحديث المنظومة بما يضمن ملاءمتها مع متطلبات النقل الصناعي.
وأشار إلى أنّ العمل جار على مستوى الآفاق الاستراتيجية للقطاع، وأوضح أنّ المجمع شرع بالتنسيق مع سلطة الإشراف في دراسة برنامج إصلاحي يتعلّق بإرساء منظومة حوكمة جديدة لاستغلال القطاع، بالنظر إلى أهميته الاستراتيجية ودوره في دعم نمو الاقتصاد الوطني وتحسين وضعية المالية العمومية.
كما قدّم جملة من المعطيات حول نسب نشاط بعض المعامل خلال سنة 2025، من بينها معمل الحامض الفسفوري بقابس، ومعمل الفسفاط الرفيع، ومعمل الحامض الفسفوري بالصخيرة، إضافة إلى معمل ثنائي الفسفاط الرفيع بالمظيلة، مبيّنا أنّ نسبة النشاط العامة للمجمع لا تتجاوز حاليا 40%. كما بيّن أنّ الاستهلاك السنوي للمجمع بلغ حوالي مليوني طن من الفسفاط، مع توفر مخزون يقدّر بنحو 600 ألف طن، في حين يناهز استهلاك مادة الكبريت حوالي 600 ألف طن.
وتعرض إلى وضعية استغلال الوحدات الصناعية والإشكاليات التي تعاني منها، خاصة تلك المرتبطة بالمتطلبات البيئية والانبعاثات الصناعية. وتطرّق كذلك إلى الإشكاليات البيئية خاصة بمنطقة قابس، حيث أفاد بأنّ المجمع أعدّ برنامجا لمعالجة مشكلة التلوث تم اعتماده والمصادقة عليه، ويهدف أساسا إلى الإيقاف الفوري لكل الانبعاثات الملوثة. وأوضح أنّ هذا البرنامج يتضمن عددا من المشاريع والإجراءات، من بينها القيام بأعمال صيانة وإصلاح ببعض الوحدات الصناعية.
وخلال النقاش، تساءل رئيس اللجنة عن مدى دقة الأرقام المقدّمة بخصوص حجم إنتاج الفسفاط، مبيّنا أنّ المعطيات المتوفرة تشير إلى أنّ الإنتاج الفعلي لا يتجاوز مليون طن، وهو ما يتعارض مع الأرقام المقدمة. كما أشار إلى أنّ محدودية الإنتاج الحالي تطرح تساؤلات حول الجدوى الفعلية من توسيع أسطول عربات السكك الحديدية. كما طرح تساؤلات حول ما إذا كان مستوى الإنتاج الحالي يبرّر فعلا الاستثمار في تحسين السكك الحديدية، داعيا إلى توضيح الإشكال الحقيقي الذي تعاني منه هذه المنظومة.
واعتبر عدد من النواب أن غياب برنامج واضح ومتكامل لتطوير قطاع الفسفاط ومنظومة نقله يجعل من الصعب بلورة قرار سياسي مبني على رؤية استراتيجية، داعين إلى إعداد دراسات استراتيجية عاجلة وواضحة من شأنها أن تشكّل أرضية لتحديد الخيارات المستقبلية للقطاع. كما انتقدوا تواصل اللجوء إلى القروض دون تحقيق النتائج المرجوة على مستوى تطوير إنتاج الفسفاط ومشتقاته، مشيرين إلى أنّ هذه القروض لم تنعكس بشكل ملموس على تحسين الإنتاج أو تطوير المنظومة الصناعية، في مقابل تفاقم عدد من الإشكاليات، خاصة المتعلقة بالتلوث في منطقة قابس، إضافة إلى الصعوبات التي تعرفها الشركة التونسية الهندية للأسمدة.
وتساءل النواب حول ما تمّ إنجازه فعليا لتحسين البنية التحتية للسكك الحديدية، وحول الاستراتيجية المعتمدة في ما يتعلق بالسياسة التشغيلية داخل مختلف المؤسسات والمنشآت الناشطة في قطاع الفسفاط. كما استفسروا حول أسباب عدم التوجّه إلى تجديد آليات استخراج الفسفاط التي أصبحت مهترئة، والعمل على تطويرها بما يضمن تحسين مردودية الإنتاج. ودعا عدد من النواب إلى دراسة اعتماد النقل الهيدروليكي للفسفاط، مشيرين الى تجارب دولية ناجحة على غرار تجربة المغرب، لما يوفّره هذا الخيار من تقليص للكلفة مقارنة بالنقل بالشاحنات أو القطارات. وأكّدوا ضرورة الاستفادة من التجارب الدولية في تنظيم قطاع الفسفاط، من خلال تجميع مختلف حلقاته ضمن مؤسسة موحّدة تتولى مهام البحث والاستكشاف والإنتاج والنقل والتصدير، بما يحدّ من تشتت المسؤوليات ويعزز النجاعة، إلى جانب الانفتاح على شراكات دولية وإبرام عقود تفاضلية بأسعار السوق مع عدد من البلدان المستهلكة للفسفاط مثل البرازيل والهند، دعماً لموقع تونس في الأسواق العالمية.
وفي ردّه على مداخلات النواب، أكّد مدير عام المجمع الكيميائي التونسي أنّ المجمع يعمل على تلبية حاجيات السوق الوطنية من الأسمدة، مشيرا إلى أنّ الطلب على بعض المواد، وخاصة مادة الأمونيتر وثنائي أمونيوم الفسفاط (DAP)، يشهد ارتفاعا متواصلا، حيث يفوق الطلب العرض بحوالي 25%، وهو ما يعكس تزايد الحاجيات في القطاع الفلاحي. وأوضح أنّ مجهودات المجمع في مجال التوزيع شهدت تطورا ملحوظا، وقدّم معطيات إحصائية في الغرض.
كما بيّن أنّ العمل جار على إعداد رؤية استراتيجية لتطوير قطاع الفسفاط ومشتقاته، مشيرا إلى أنّ اللجان المكلّفة بإعداد هذه الاستراتيجية تم إحداثها بمقتضى مجلس وزاري وشرعت فعليا في مباشرة أعمالها. وأضاف أنّ المجمع الكيميائي بادر منذ نحو عشرة أشهر بإحداث لجنة استراتيجية داخلية تضم عددا من الكفاءات والخبرات المختصة لإعداد تصورات واضحة تهدف إلى تطوير المنظومة الصناعية للفسفاط.
وأوضح أنّ هذه الاستراتيجية ترتكز أساسا على عدة مبادئ أهمها الاندماج بين مختلف حلقات المنظومة، بما يشمل الاستخراج والنقل والتحويل الأولي والثانوي، وذلك بهدف تحقيق قدر أكبر من التكامل والنجاعة في إدارة القطاع. كما أكد أهمية تكييف الإجراءات الإدارية مع خصوصيات المؤسسة الصناعية وهو ما يفرض إرساء تصور جديد لتسيير وحوكمة المؤسسات العمومية. بالاضافة الى العمل على تحقيق قدر أكبر من السلاسة في الإجراءات، من خلال التخفيف من بعض الأعباء الإدارية المرتبطة بأنشطة المؤسسات الصناعية، وخاصة في ما يتعلق بعمليات التزود والتمويل، بما يتيح لها التفرغ لدورها الإنتاجي.
كما شدد على أنّ مسألة التمويل تظل عاملا أساسيا للنهوض بالقطاع وتطوير قدراته الإنتاجية. وفي سياق متصل، أفاد بوجود شراكات وعلاقات تعاون مع عدد من المؤسسات الأجنبية، من بينها مؤسسات جزائرية، مبرزا أنّ هذه العلاقات تقوم على التنسيق والتعاون في عدد من المجالات ذات الصلة بالقطاع.
هذا وقد قدّم توضيحات إضافية بخصوص عدد من الاستفسارات الأخرى المرتبطة بقطاع الفسفاط، لا سيما ما يتعلّق بسبل تطوير منظومة الإنتاج وتحسين آليات النقل، إلى جانب تعزيز الحوكمة والرفع من نجاعة التصرّف في الموارد البشرية بمختلف المؤسسات والهياكل المتدخلة في هذا القطاع.
وقررت اللجنة في خاتمة أعمالها الموافقة على مشروع القانون المعروض
Post comments (0)