عقدت لجنة الصحة وشؤون المرأة والأسرة والشؤون الاجتماعية وذوي الإعاقة جلسة يوم الثلاثاء 21 جويلية 2026 بحضور السادة عز الدين التايب رئيس اللجنة وعبد القادر عمار نائب الرئيس ورؤوف الفقيري مقرر اللجنة إلى جانب العضوين أحمد بنور وعبد الجليل الهاني وعدد من النواب غير الأعضاء وذلك للاستماع إلى ممثّلين عن كلّ من المجلس الوطني لهيئة الصيادلة والنقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة والنقابة التونسية لأطباء القطاع الخاص بخصوص الأزمة التي تمر بها العلاقات التعاقدية بين الصندوق الوطني للتأمين على المرض ومسديي الخدمات الصحية.
وبيّن ممثّلو أطباء القطاع الخاص في مداخلتهم أنّ الأزمة المتعلقة بمنظومة الطرف الدافع ليست جديدة لكنها تتفاقم يوما بعد يوم بفعل تراكم مستحقات أطباء القطاع الخاص لدى الصندوق الوطني للتأمين على المرض والتي بلغت حوالي 80 مليون دينار. مؤكدين أن أغلب الأطباء لم يتحصلوا على مستحقاتهم منذ حوالي ستة أشهر في خرق واضح لمضمون الاتفاقية الرابطة بين الطرفين ولعدد من محاضر الجلسات التي تم إمضاؤها مع وزارة الشؤون الاجتماعية كسلطة إشراف والتي تضمنت التزامات واضحة وآجالا محددة للخلاص لم يقع احترامها، مشدّدين على أن هذا الأمر قد سبّب أزمة سيولة حادة لأطباء القطاع الخاص لاسيما أطباء الصف الأول كما كان له تأثير سلبي على علاقة الطبيب بالمريض. مضيفين أنّ أطباء القطاع الخاص متمسكون بالحفاظ على منظومة التأمين على المرض وهم على استعداد للتحاور وإبرام اتفاقية جديدة تحترم حقوق كل المتدخلين باعتبارها مكسبا وطنيا وركيزة استراتيجية للنظام الصحي في تونس.
كما طالبوا بالترفيع في حصة تصفية الدم بدينارين (2د) تخصص كليا لمناب الطبيب وذلك تفعيلا لمحضر الاتفاق مع سلطة الإشراف وإيجاد الصيغ الكفيلة بتطبيقه باعتبار أهمية قطاع تصفية الدم وحفاظا على أداء الأطباء لدورهم في أحسن الظروف.
وفي علاقة بتأخير خلاص مستحقات الصيدليات، أوضح ممثلو النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة أن مدة التأخير ستبلغ، مع موفى شهر جويلية، ستة أشهر، بما سيؤدي إلى تجاوز قيمة المستحقات المتخلدة لدى الصندوق 180 مليون دينار، بمعدل مليون دينار عن كل يوم تأخير. وبيّنوا أن هذا الوضع من شأنه أن يتسبب في أزمة مالية لعدد كبير من الصيدليات، حيث أصبحت بعضها عاجزة عن خلاص مستحقات موزعي الأدوية ومختلف الأعباء الجبائية والاجتماعية. كما أفادوا بأن حوالي 300 صيدلية، من بين نحو 2000 صيدلية متعاقدة، قد توقفت عن العمل بنظام الطرف الدافع، وأن العدد مرشح للارتفاع في حال عدم إيجاد حل عاجل، وهو ما يشكل تهديدًا خطيرًا للحق الدستوري في الصحة ولقدرة المواطن على الحصول على الدواء.
كما أضافوا أن التأخير المتواصل في عدم دفع مستحقات الصيادلة يؤدي إلى عجزها عن خلاص مزودي الأدوية بالجملة وتجاوز قدراتها المالية على مواصلة أعمالها خاصة بعد الترفيع في حجم الأداءات المالية المفروضة عليها ورفض العديد من المؤسسات البنكية التعامل معها بضمان الوصولات المثبتة لديونها تجاه الصندوق الوطني للتأمين على المرض، كما أنّ تأخير الصيدليات الخاصة عن الوفاء بديونها بسبب عدم حصولها على مستحقاتها من الصندوق تجعلها تتحمّل مصاريف خطايا التأخير التي أصبحت ترهق كاهلها وتؤثر سلبيا على توازناتها المالية.
كما عبّروا، من جهة أخرى، عن بالغ قلقهم تجاه النقص الفادح من الأدوية في المستشفيات العمومية والمصحات الخاصة بسبب عدم خلاص مزودي الأدوية، داعين إلى إيجاد الحلول الملائمة لذلك في أقرب وقت ممكن.
وخلال النقاش ثمن النواب التفاعل الإيجابي من طرف ممثلي أطباء القطاع الخاص والصيادلة وسعيهم نحو إيجاد الحلول الكفيلة بتجاوز الأزمة التعاقدية مع الصندوق الوطني للتأمين على المرض، مشددين على ضرورة تكاتف مجهودات الجميع من أجل ضمان استمرارية توفير الخدمات الصحية للمواطنين، مع التأكيد على أنّ الحل العاجل للمسألة يفرض دفع نسبة من مستحقات مختلف مسديي الخدمات الصحية في الإبان وجدولة ما يتبقى منها على أقساط تدفع في الآجال المتفق عليها.
كما دعوا إلى التفكير في حل جذري لهذه الأزمة عن طريق إجراء تقييم معمق وشامل لمنظومة التأمين على المرض التي لم تقع مراجعتها منذ اعتمادها وذلك للوقوف على مكتسباتها وهناتها، و طالب البعض من المتدخلين بمراجعة القوانين المتعلقة بالمقاصة في الديون المتبادلة بين الهياكل العمومية في اتجاه تبسيط الإجراءات، كما اقترح البعض التفكير في إيجاد حلول عملية دائمة لهاته الأزمة من خلال إحداث صندوق مستقل يتكفل بجمع المساهمات الخاصة بالتأمين عن المرض وتخصيصها لخلاص مسديي الخدمات في الآجال القانونية مع إضافة بعض الأحكام في قانون المالية المقبل لتجاوز مثل هذه الأزمة.
وفي تفاعلهم مع ملاحظات واقتراحات النواب أفاد مختلف المتدخلين على أن السبب الأساسي للمشكل يكمن في ضعف الحوكمة وسوء التصرف حيث أن الصندوق لا يشكو في الأصل من صعوبات مالية لكن عدم دفع مستحقاته من قبل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية بصفة منتظمة هو الذي خلق أزمة سيولة، مشددين في هذا الصدد على أن استخدام مبالغ المساهمات الاجتماعية للعمال والمؤجرين في غير الغرض الذي اقتطعت من أجله غير مقبول قانونيا وأخلاقيا ويجعل الصندوق في حالة عجز عن الوفاء بالتزاماته لا فقط تجاه الصيادلة والأطباء بل وكذلك تجاه المستشفيات والصيدلية المركزية وهو ما يشكل تهديدا للمنظومة الصحية بكاملها.
وفي ختام الاجتماع أكد الضيوف على أنهم قد استنفذوا جميع وسائل التفاوض والتواصل مع مصالح الصندوق ومع وزارة الشؤون الاجتماعية، داعين في هذا الصدد نواب الشعب إلى التدخل العاجل لإنقاذ المرفق العام للصحة.
كما تعهد أعضاء اللجنة بمواصلة مجهوداتهم في سبيل إيجاد الحلول الملائمة لمختلف مسديي الخدمات الصحية من أجل ضمان ديمومة منظومة التأمين على المرض والتوفيق بين مطالبهم المشروعة ونقص السيولة.
Post comments (0)