أعادت حادثة التسمم الغذائي التي سجلت مؤخرا بمعتمدية المكناسي من ولاية سيدي بوزيد، والتي يُشتبه في ارتباطها باستهلاك طبق “العصبان”، تسليط الضوء على نبتة “الفيجل” التي أشار المدير الجهوي للصحة بسيدي بوزيد، سالم ناصري، إلى أنها قد تكون السبب المحتمل في حالات التسمم، نظرا لاستعمالها ضمن مكونات هذا الطبق التقليدي. وتخضع عينات من الأطعمة حاليا للتحاليل المخبرية لتحديد الأسباب الحقيقية للحادثة.
وتُعرف نبتة “الفيجل” علميا باسم Ruta chalepensis، وهي نبات عطري بري ينتمي إلى الفصيلة السذابية (Rutaceae)، وينتشر في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك تونس، حيث يُستعمل تقليديا بكميات صغيرة في بعض الأكلات الشعبية و العلاج التقليدي.
خصائص بيولوجية و تأثيرات قوية
تفيد دراسات علمية منشورة حول النباتات العطرية في تونس إلى أن نبتة الفيجل تحتوي على زيوت طيّارة ومركبات كيميائية نشطة مثل 2-أوندكانون (2-undecanone) و 2-ديكانون (2-decanone) وألفا-بينين (α-pinene)، وهي مركبات ذات خصائص بيولوجية فعّالة.
وتوضح أبحاث منشورة في مجلة النباتات الحاملة للزيوت العطرية (Journal of Essential Oil-Bearing Plants) أن الزيت المستخلص من الفيجل يتميز باحتوائه على نسب مهمة من المركبات الكيتونية التي تمنحه خصائص مضادة للفطريات ومؤثرة على بعض الآفات النباتية، وهو ما يفسر استعماله في مجالات زراعية وبيئية محدودة.
كما تشير مصادر علمية أخرى إلى أن نبتة الفيجل تُستعمل تقليديا في الطب الشعبي ببعض المناطق التونسية لعلاج اضطرابات هضمية مختلفة، على غرار عسر الهضم، والانتفاخ، والغازات المعوية، إضافة إلى التشنجات وآلام المعدة الخفيفة. كما يُعتقد في بعض الممارسات الشعبية أنها قد تُستخدم كمادة فاتحة للشهية، وأحيانا لتخفيف آلام الدورة الشهرية والتقلصات لدى النساء.
غير أن هذه الاستعمالات تبقى تقليدية وغير مدعومة بدراسات سريرية كافية تثبت فعاليتها بشكل علمي وآمن، ما يجعل اعتمادها طبيا محدودا ويخضع للحذر.
مخاطر صحية محتملة عند الإفراط في الاستهلاك
يحذر خبراء الصحة من أن مركبات الفيجل، رغم فوائدها المحتملة، يمكن أن تتحول إلى مواد سامة عند تجاوز الجرعات التقليدية، خاصة عند إدخالها بكميات غير مضبوطة في الأطعمة.
وتشير دراسات علمية إلى أن الزيوت الطيّارة الموجودة في هذا النبات تحتوي على مركبات قوية قد تؤثر على الجهاز الهضمي والعصبي، وقد تسبب تسمما غذائيا إذا تم استهلاكها بكميات كبيرة أو دون تحكم دقيق في طريقة التحضير.
وفي هذا السياق، يرجّح مختصون أن يكون الإفراط في استعمال الفيجل ضمن “العصبان” أحد العوامل المحتملة في حادثة التسمم الأخيرة، في انتظار نتائج التحاليل الرسمية لتأكيد السبب.
دعوات للتوعية والتنظيم الغذائي
تؤكد هذه الحادثة مجددا أهمية التوعية بمخاطر النباتات البرية المستعملة في الطبخ و العلاج التقليدي، وضرورة ضبط كميات استخدامها وفق معايير صحية واضحة، خاصة أن بعضها يحتوي على مركبات قوية التأثير.
كما يدعو خبراء الصحة المحليين و العالميين إلى تعزيز المراقبة الغذائية وتوعية المواطنين حول طرق استعمال النباتات العطرية، بما يضمن الحفاظ على التراث الغذائي دون المساس بسلامة المستهلك.
نهى هداجي
Post comments (0)