تواجه تونس خلال السنوات الأخيرة تحديًا صحيًا متصاعدًا يتمثل في تزايد عبء الأمراض غير السارية، وفي مقدمتها أمراض القلب والشرايين، التي تؤكد المعطيات الرسمية والدولية أنها ما تزال السبب الأول للوفاة في البلاد. وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن الأمراض غير السارية تمثل أكثر من 80% من مجموع الوفيات في تونس، و تتصدرها أمراض القلب، تليها السكري والسرطان والأمراض التنفسية المزمنة، وهو ما يعكس تحولًا وبائيًا واضحًا من الأمراض المعدية إلى الأمراض المزمنة المرتبطة بنمط العيش.
عبء صحي متصاعد وتحول وبائي واضح
ويرتبط هذا الوضع بتفاقم عدة عوامل خطيرة داخل المجتمع التونسي، أبرزها التدخين، وارتفاع ضغط الدم، وداء السكري، والسمنة، إضافة إلى قلة النشاط البدني واعتماد أنماط غذائية غير متوازنة. كما تشير تقارير الجمعية التونسية لأمراض القلب والشرايين إلى أن هذه العوامل أصبحت أكثر انتشارًا في السنوات الأخيرة، ما ساهم في ارتفاع عدد الحالات المسجلة داخل المؤسسات الصحية، خاصة في أقسام الاستعجالي وأمراض القلب.
أمراض القلب تقتحم الفئات الشابة
وتُظهر دراسات منشورة في المجلة التونسية لأمراض القلب أن المرض لم يعد يقتصر على كبار السن، بل أصبح يتم تسجيل حالات احتشاء قلبي حاد لدى فئات عمرية أصغر، أحيانًا بين 30 و45 سنة، وهو ما يعكس تغيرًا مقلقًا في نمط الإصابة. ويرجع المختصون هذا التحول إلى تداخل عدة أسباب، منها التدخين المبكر، والضغط النفسي، وقلة النشاط البدني، وضعف الوقاية والكشف المبكر.
جهود وطنية لمواجهة الأمراض غير السارية
وفي المقابل، تعمل وزارة الصحة التونسية ضمن الاستراتيجية الوطنية للأمراض غير السارية على تعزيز الوقاية والتوعية الصحية، وتطوير خدمات الكشف المبكر، وتحسين التكفل بالحالات الاستعجالية مثل الجلطات القلبية، إلى جانب دعم برامج الإقلاع عن التدخين وتشجيع النشاط البدني والتغذية الصحية. كما تتعاون تونس مع منظمة الصحة العالمية في إطار برامج تهدف إلى تقليص الوفيات المبكرة الناتجة عن أمراض القلب وتحسين جودة الرعاية الصحية.
عبء اقتصادي يثقل المنظومة الصحية
وتشير المعطيات الاقتصادية إلى أن هذا المرض لا يمثل فقط عبئًا صحيًا، بل أيضًا عبئًا ماليًا كبيرًا على المنظومة الصحية، من خلال ارتفاع كلفة العلاج طويل الأمد، وزيادة الضغط على المستشفيات العمومية، وتراجع الإنتاجية لدى الفئات النشيطة. وتؤكد الدراسات الدولية أن جزءًا كبيرًا من هذه الأعباء يمكن تفاديه عبر الوقاية وتغيير نمط الحياة.
تحدٍ صحي مستمر يفرض الوقاية
وتجمع المصادر الرسمية التونسية والدولية على أن تونس تواجه اليوم تحديًا صحيًا عميقًا يتمثل في استمرار ارتفاع أمراض القلب ضمن سياق انتشار واسع للأمراض غير السارية، مع تزايد القلق من تسجيل إصابات في سن مبكرة، ما يجعل الوقاية والكشف المبكر وتغيير نمط العيش عناصر أساسية للحد من هذا العبء خلال السنوات القادمة.
نهى هداجي
Post comments (0)