أصبح الهاتف الذكي اليوم جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية؛ فنحن نستخدمه لدفع الفواتير، والاطلاع على حساباتنا البنكية، وإدارة وثائقنا، والتواصل مع العائلة والأصدقاء، والتقاط الصور والاحتفاظ بذكرياتنا، فضلًا عن استخدامه في العمل والدراسة والوصول إلى مختلف الخدمات الرقمية. وبذلك لم يعد الهاتف مجرد وسيلة للاتصال، بل أصبح، إلى حد كبير، امتدادًا لهويتنا وحياتنا الرقمية.
غير أن هذا الحضور المتزايد للهاتف الذكي في حياتنا يجعله في الوقت نفسه هدفًا مهمًا للتهديدات السيبرانية، ومن أخطرها البرمجيات الخبيثة من نوع RAT (Remote Access Trojan)، وهي برمجيات خبيثة تُمكّن المهاجم من الوصول إلى الجهاز والتحكم فيه عن بُعد دون علم المستخدم.، مثل CraxsRAT و CypherRAT. وتكمن خطورة هذه البرمجيات في قدرتها على العمل بصورة خفية بعد وصولها إلى الجهاز، بما قد يعرّض خصوصية المستخدم وبياناته الشخصية للخطر. والهدف من الحديث عن هذه التهديدات ليس إثارة الخوف من التكنولوجيا، بل توضيح المخاطر الحقيقية التي قد ترافق استخدامها، وفهم كيفية وصول البرمجيات الخبيثة إلى الهاتف، وكيف يمكن للمستخدم أن يتجنبها.
CraxsRAT و CypherRAT : عندما يصبح الهاتف بوابةً إلى حياتنا الخاصة
ينتمي CraxsRAT و CypherRAT إلى عائلة البرمجيات الخبيثة المعروفة باسم
Remote Access Trojan (RAT)، وهي برمجيات صُممت لتمكين التحكم عن بُعد في الجهاز المصاب دون علم صاحبه. وبعد تثبيت مثل هذه البرمجيات، يمكن أن تصبح مجموعة من البيانات والوظائف الحساسة معرضة للخطر، مثل الصور ومقاطع الفيديو والرسائل وجهات الاتصال وبيانات الاعتماد وكلمات المرور. كما قد تشمل المخاطر، بحسب الصلاحيات والبيئة المستهدفة، الوصول إلى الكاميرا أو الميكروفون أو الرسائل، ومحاولة الحصول على امتيازات مرتفعة داخل النظام، إضافة إلى استخدام آليات تجعل اكتشاف البرمجية أو حذفها أكثر صعوبة.
كيف يمكن أن تصل هذه البرمجيات إلى الهاتف؟
لا تصل البرمجيات الخبيثة دائمًا إلى الهاتف بطريقة تثير الشك منذ اللحظة الأولى، بل قد تختبئ خلف شيء يبدو طبيعيًا ومألوفًا للمستخدم. فقد تظهر في صورة تطبيق يبدو شرعيًا، أو تحديث مزيف لتطبيق معروف، أو نسخة معدلة من لعبة أو برنامج شائع. وقد يصل المستخدم إلى هذا التطبيق عبر رابط غير موثوق أو منتدى أو رسالة على إحدى شبكات التواصل الاجتماعي، ثم يقوم بتثبيته معتقدًا أنه تطبيق عادي. وبعد التثبيت، قد تبدأ البرمجية الخبيثة في العمل في الخلفية دون ظهور علامات واضحة للمستخدم، لتصبح المشكلة الحقيقية أن ما يراه المستخدم على الشاشة قد لا يعكس بالضرورة ما يحدث داخل الجهاز.
وقد تحاول بعض هذه البرمجيات بعد وصولها إلى الجهاز الحصول على صلاحيات أوسع، أو استخدام آليات تساعدها على الاستمرار والعمل بصورة خفية. كما يمكن أن تتضمن وظائف تجعل عملية حذفها أكثر صعوبة، وهو ما يعرف بآليات Anti-delete، أو تحاول تجاوز بعض وسائل الحماية المدمجة في نظام Android، مثل Google Play Protect. وهنا تتضح أهمية الصلاحيات التي يمنحها المستخدم للتطبيقات؛ فالموافقة السريعة على كل طلب يظهر على الشاشة قد تمنح تطبيقًا غير موثوق إمكان الوصول إلى وظائف أو بيانات لا يحتاج إليها أصلًا.
الصلاحيات: لحظة بسيطة قد تصنع فرقًا كبيرًا
عندما نثبت تطبيقًا جديدًا، قد يطلب الوصول إلى الكاميرا أو الميكروفون أو جهات الاتصال أو الرسائل أو الملفات. وجود طلب للصلاحية لا يعني وحده أن التطبيق خبيث، لكن السؤال المهم هو: هل يحتاج التطبيق فعلًا إلى هذه الصلاحية لأداء وظيفته؟ فإذا كان تطبيق بسيط، مثل مصباح يدوي، يطلب الوصول إلى الرسائل أو الكاميرا دون سبب منطقي، فيجب التوقف قبل الضغط على زر الموافقة. وينطبق الأمر نفسه على تطبيق يدّعي أنه قارئ وثائق بينما يطلب صلاحيات لا علاقة لها بقراءة الملفات. فالوعي لا يعني رفض جميع الصلاحيات، وإنما فهم العلاقة بين وظيفة التطبيق وما يطلبه من إمكانات داخل الهاتف.
كيف نحمي هواتفنا؟
تبدأ الحماية من مصدر التطبيق نفسه. فمن الأفضل تنزيل التطبيقات من المصادر الرسمية والموثوقة، والابتعاد عن النسخ المقرصنة أو المعدلة التي قد تحتوي على وظائف خفية أو برمجيات ضارة. كما ينبغي قراءة الصلاحيات المطلوبة وعدم الموافقة عليها بصورة آلية، وتحديث الهاتف والتطبيقات باستمرار لأن التحديثات لا تضيف وظائف جديدة فقط، بل تعالج أيضًا ثغرات أمنية يمكن استغلالها. ومن المهم كذلك إبقاء Google Play Protect مفعّلًا، والاستعانة بحلول أمنية موثوقة عند الحاجة، والحذر من الروابط التي تصل عبر الرسائل القصيرة أو البريد الإلكتروني أو شبكات التواصل الاجتماعي، حتى عندما تبدو وكأنها صادرة عن شخص معروف. كما يُفضّل تجنب إجراء Root للهاتف إلا لمن يفهم بصورة دقيقة ما يترتب عليه من مخاطر، لأنه قد يؤدي إلى إضعاف بعض آليات الحماية التي يوفرها النظام.
الأمن السيبراني يبدأ بالوعي
يحمل الهاتف الذكي اليوم جزءًا كبيرًا من حياتنا: صورنا ورسائلنا ووثائقنا وبياناتنا الشخصية والمهنية، وقد يكون مرتبطًا بحساباتنا البنكية وبريدنا الإلكتروني وحساباتنا على شبكات التواصل الاجتماعي. ولذلك فإن حماية الهاتف لم تعد مسألة تقنية تخص الخبراء وحدهم، بل أصبحت مسؤولية يومية لكل مستخدم. وتوضح تهديدات مثل CraxsRAT و CypherRAT كيف يمكن لتطبيق يبدو عاديًا أو قرار بسيط غير مدروس أن يتحول إلى خطر على الخصوصية والبيانات.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون الهدف هو الخوف من التكنولوجيا، وإنما استخدامها بوعي. فكلما فهم المستخدم طبيعة المخاطر، وأصبح أكثر حذرًا عند تنزيل التطبيقات وفتح الروابط ومنح الصلاحيات، ازدادت قدرته على حماية نفسه. وفي عالم تتسارع فيه التكنولوجيا وتتزايد فيه التهديدات الرقمية، تبقى اليقظة والوعي والثقافة السيبرانية من أقوى خطوط الدفاع عن حياتنا الرقمية وخصوصيتنا.
بقلم: د. حمزة الهمامي
أستاذ جامعي وباحث في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي
Post comments (0)